الخاتمة
 

وأما الخاتمة: ففيها بحثان:

 

البحث الأول: في جبر الخلل الواقع في الصلاة، بمعنى بيان الدواء الدافع لهذه المنافيات.

 

أعلم أن الخلل إن كان من قبيل منافي الإقبال بالقلب على الصلاة بسبب الأفكار الخارجة عنها فدواؤه تذكر ما هو فيه، ومن يناجيه، واستشعار الأخطار اللازمة من الغفلة وعدم قبول العمل مع شدة الحاجة إليه من يومه هذا إلى الأبد. فإن التوفيق الواقع من الجناب الإلهي للمطيع فائض في الدارين والحاجة إليه حاصلة في الحالين سيما يوم الجزاء الذي يضيق عن وصفه الحال، ولا يحيط بتقريره العقل ولا الخيال ولا يطيق حمل أهواله الجبال، وليس فيه المقبولة الرابحة فإنها وسيلة الأنوار في تلك الظلمة والنجاة من تلك الشدة والجواز على عقبة الساهرة.

 

ولا تكتسب الأعمال الصالحة والطاعات المقبولة إلا في هذه الدار الزائلة وفي هذه المدة القصيرة التي أكثرها قد مضى على الغفلة ويكاد يلحق باقيها بماضيها وإن لم يستيقظ الغافل ويستدرك ما فرط وليس في تلك الدار إلا الجنة والنار، والجنة أعدت للمتقين كما أن النار أعدت للفاسقين.

 

وبالجملة فالخطر عظيم، والأمر جسيم والغفلة شاملة ونحن مع ذلك لا نشعر وقد قال النبي (ص): (تمضي على الرجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة واحدة).

 

وقال الصادق(ع) لحماد بن عيسى- الذي كان يحفظ في فقه الصلاة كتاب حريز ودعا له الصادق (ع) بأن يحج خمسين حجة وأن يكثر الله تعالى ماله وولده فأجيب له في جميع ذلك- حين صلى عنده ركعتين: ( ما أقبح الرجل منكم تمضي عليه ستون سنة أو سبعون سنة لا يحس أن يتم صلاة واحدة بحدودها).

 

وقال (ص): ( كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؟ وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).

 

إلى غير ذلك من الآثار الدالة على صعوبة الأمر ودقة الخطر.

 

فإحضار هذا وشبهه وما تقدر في المقدمة من الأثر مما يعبن على حضور القلب مضافاً إلى ما سلف من الدواء المعين على ذلك في المطلب الثالث.

 

وإن كان المنافي من قبيل المفسدات فالعلاج النافع في ما ينافي الإخلاص هو التفكير في مضرة الرياء وما يفوت بسببه من صلاح القلب وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عمد الله تعالى وما يعرض له من العقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادي على رؤوس الأشهاد والعباد: يا فاجر يا غادري يا مراء أما استحيت إذا اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الدنيا؟ راقبت قلوب العباد واستهزأت بطاعة الله تعالى، وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله تعالى وتزينت لهم بالشين عند الله تعالى، وتربت إليهم بالبعد من الله وتحمدت إليهم بالتذمم عند الله وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله ، أما كان احد أهون عليك من الله تعالى؟

 

فمهما تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد بالتزين لهم في الدنيا بما يفوته من الآخرة وبما يحيط عليه من ثواب الأعمال مع أن العمل الواحد ربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص، فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فتترجح به بعد أن كان مرجوحاً ويهوي العبد إلى النار.

 

فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافياً في معرفة ضرورة، وإن كان مع ذلك ساير حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علو الرتبة عند الله تعالى في زمرة النبيين والصديقين وقد حظ عنهم بسبب الرياء ورد إلى صف النعال من مراتب الأولياء، إن لم يستوجب النار والخزي والطرد من الملك الجبار هذا مع ما يعرض له في الدنيا مع تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق فإن رضاء الناس غاية لا تدرك فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق ورضاء بعضهم في سخط بعض ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه، وأسخطهم أيضاً عليه، كما ورد في الأخبار ولدت عليه التجربة.

 

ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله تعالى لأجل حمدهم ولا يزيد مدحهم رزقاً ولا أجلاً ولا ينفعه يوم فقره وفاقته، وهو يوم القيامة.

 

وأما الطمع لما في أيديهم فأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه ولا رازق إلا الله تعالى ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة والمقت والإهانة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة ومن اعتمد على الله تعالى وجعل همه معه كفاه الله تعالى همه في الدنيا والآخرة.

 

فكيف يترك ما عند الله لرجاء كاذب وهم فاسدون؟ وقد يصيب وقد يخطى وإذا أصاب فلا تقي لذته بألم منته ومذلته.

 

وأما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيد ذمهم شيئاً ما لم يوافقهم الله تعالى عليه، ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة ولا يبغضه إلى الله تعالى إن كان محموداً عند الله تعالى، ولا يزيده مقتاً إن كان ممقوتاً عند الله، فالعباد كلهم عجزة﴿َلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾ بل العقل والنقل التجربة قد أذنت بخلاف ذلك كله وأن المخلص أعماله لله يحببه الله إلى المخلوقين الصالحين والفاسقين بل إلى كثير من الكافرين فتراهم يعظمونه ويوقرونه، ويلتمسون بركته مع ضعفه وفقره، وقلة ذات يده، وقلة عمله.

 

والمرائي يظهر الله تعالى الخلق على باطنه وخبث نفسه وفساد نيته فيمقتونه ولا يفوز بمطلبه ويضيع تعبه ويبطل سعيه.

 

كما روي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: ( والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها) أول داخل للمسجد وآخر خارج منه لا يراه أحد حين الصلاة إلا قائماً يصلي، وصائماً لا يفطر ويجلس إلى حلق الذكر فمكث بذلك مدة طويلة.

 

وكان لا يمر بقوم إلا قالوا فعل الله بهذا المرائي وصنع.

 

فأقبل على نفسه وقال : (أراني في غير شيء لأجعلن عملي كله لله) فلم يزد على عمله الذي كان يعمل قبل ذلك، إلا أنه تغيرت نيته إلى الخير.

 

فكان ذلك الرجل يمر بعد ذلك بالناس فيقولون رحم الله فلاناً، الآن أقبل على الخير.

 

وقد نبه الله تعالى على ذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ثم هب أنهم أحبوك وأكرموك وخفي خبثك عليهم مع أن الله تعالى مطلع على فساد نيتك وخبث سريرتك فأي خير لك في مدح الناس وأنت عند الله مذموم ومن أهل النار؟.

 

وأي شر لك في ذم الناس وأنت عند الله ممدوح ومن أهل الجنة وفي زمرة المقربين؟.

 

ومن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند الله تعالى، استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنغصات واجتمع همه وانصرف إلى الله تعالى قلبه، وتخلص من مذمة الرياء ومقاساة قلوب الخلق وانعطف من إخلاصه أنوار على قلبه ينشرح بها صدره ويستأنس بها من وحشته.

 

وإن لم يكتف بذلك كله فليتأمل ثلاثة أشياء:

 

أحدها: أنه لو قيل لك أن هنا رجلاً معه جوهر نفيس يساوي مائة ألف دينار وهو محتاج إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلاً وإلى أضعاف ثمنه، فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه- مع حاجته إلى الأضعاف أيضاً- فأبى أن يبيعه بذلك وباعه بفلس واحد، أليس ذلك يكون خسراناً عظيماً وغبناً فظيعاً ودليلاً بيناً على خسة الهمة وقصور الفهم والعلم وضعف الرأي ورقة العقل بل السفه المحض؟

 

وهذا بعينه أبلغ من حال المرائي في عمله، بل في عبادة واحدة فإن ما يناله العبد بعمله من الخلق من مدحه وحطام الدنيا بالإضافة إلى رضا رب العالمين وشكره، وثواب الآخرة ونعيم الجنة الدائم المخلص من شوب الكدورات أقل من فلس في جنب ألف ألف دينار بل في جنب الدنيا وما فيها وأكثر.

 

وهذا هو الخسران المبين أن تفوت على نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة، بهذه الأمور الدنية الحقيرة.

 

ثم إن كان لابد من هذه الهمة الخسيسة فاقصد أمنت الآخرة يتبعك الدنيا، بل أطلب الرب وحده يعطك الدارين إذ هو مالكهما جمعياً وذلك قوله تعالى: ﴿َّمن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾.

 

وقال النبي (ص): (إن الله يعطي الدنيا بعمل الآخرة ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا).

 

فإذا أنت أخلصت النية وجدت الهمة للآخرة حصلت لك الدنيا والآخرة جمعياً وإن أردت الدنيا ذهب عنك الآخرة في الوقت وربما لا تنال كما تريد وإن نلتها فلا تبقى لك بل تزول عنك قريباً فقد خسرت الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

 

وينظر هذا الشخص بالنسبة إلى مثل هذا المثل من يصرف جزءاً من عمره ونفساً من أنفاسه الذي يمكنه به تحصيل كنت من كنوز الجنان في ما يحصل به دانق أو حبة أو درهم أو دينار من متاع الدنيا، وترك ذلك الكنز الدائم لغير ضرورة ما هذا إلا عين الغفلة والخسران وخسة الهمة والخذلان.

 

وثانيها: أن المخلوق الذي تعمل لأجله وتطلب رضاه لو علم أنك تعمل لأجله لأبغضك وسخط عليم واستهان بك واستخف بك مضافاً إلى مقت الله تعالى، وإهاناته وخذلانه وما تعمله الله تعالى وما تعمله لله تعالى خالصاً يوجب رضا الفريقين فيكف يعمل العاقل لأجل من لو علم بأنه يطلب رضاه سخط عليه، وأهانه؟

 

وثالثها: إن من حصل له سعي يكتسب به رضا أعظم ملك في الدنيا فطلب به رضا كناس خسيس بين الناس وسخط لذلك الملك، بل مع عدم سخطه أليس ذلك دليلاً على السفه ورداءة الرأي وسوء النظر ويقال له: ما حاجتك إلى رضا هذا الكناس مع تمكنك من رضا هذا الملك؟

 

كذلك أي حاجة إلى رضا عبد مخلوق ضعيف حقير مهين مع التمكن من تحصيل رضا رب العالمين الكافي عن الكل؟

 

نسأل الله حسن التوفيق وهذا هو الدواء العملي.

 

في الدواء العملي للخلل:

 

وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه على إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقتنع قلبه بعلم الله تعالى واطلاعه على عبادته ولا تنازعه نفسه إلى طلب علم غير الله وهو أمر يشق في ابتداء المجاهدة لكن إذا صبر عليه مدة بالتكليف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله تعالى وما يمد به عبادة من حسن التوفيق فـ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ فمن العبد المجاهدة ومن الله تعالى الهداية.

 

قال الله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ وإن كان المنافي من قبيل المتأخر عن العبادة وهو الرياء المتأخر والعجب فقد عرفت دواء الأول.

 

في دواء العجب

 

أما العجب فلينظر في الأسباب والآلات التي قوي بها على العبادة التي أورثته العجب من القدرة والعلم والأعضاء والرزق الذي أكله حتى قوي به فإنه يجده كله من الله تعالى ولولاه لم يقدر على شيء منها.

 

ثم ينظر إلى نعمته عليه في إرسال الرسل إليه وخلق العقل حتى اهتدى به إلى طريق الحق.

 

ثم ينظر في قيمة العمل الذي عمله فلا يجده مقابلاً لنعمة من هذه النعم وإنما صار لعمله قيمة لما وقع من الله تعالى موقع الرضاء والقبول أفلا ترى الأجير يعمل طول النهار بدرهمين والحارس يسهر طول الليل بدانقين وكذلك أصحاب الصناعات والحرف كل واحد منهم يعمل في الليل والنهار فيكون قيمة كل ذلك دراهم معدودة، فإن صرف الفعل إلى الله تعالى، فصمت لله تعالى، قال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ وفي الخبر: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

 

فهذا يومك الذي قيمته درهمان مع احتمال التعب العظيم صارت له هذه القيمة بتأخير غداء إلى عشاء ولو قمت ليلة لله تعالى فقد قال تعالى:﴿ َلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 

فهذا الذي قيمته درهم صارت له كل هذه القيمة والقدر، بل لو جعلت لله ساعة تصلي فيها ركعتين خفيفتين بل نفساً فقلت فيه: ( لا إله إلا الله) قال الله تعالى :﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 

فحق إذن للعاقل أن يرى حقارة عمله وقلة مقداره من حيث هو وأن لا يرى إلا منة الله تعالى عليه في ما شرف به من قدر عمله وأعظم من جزائه وأن يحوز في فعله أن يقع على وجه لا يصلح لله تعالى ولا يقع منه موقع الرضا فيذهب عنه موقع القيمة التي حصلت له، ويعود إلى ما كان في الأصل من الثمن الحقير.

 

فقس قدر عملك في نفسه إلى ما عليك من نعمه فهل تجده وافياً بعشر عشرة؟ وهل توفيقك للقيام بوظائف العبودية وتأهيلك للخدمة الإلهية إلا نعمة بل أعظم نعمة يلزمك شكرها، كما أشير إليه في خبر داوود (ع) حين أوحى الله إليه: ( أن أشكرني حق شكري) فقال : ( يا رب كيف أشكر حق شكرك والشكر من نعمتك تستحق عليه شكراً؟).

فقال : ( يا داوود إذا عرفت أن ذلك مني فقد شكرتني).

 

وروي أن بعض الوعاظ قال لبعض الخلفاء أتراك لو منعت شربة من الماء عند عطشك بم كنت تشتريها؟

 

قال : بنصف ملكي.

 

قال: أتراها لو حسبت عنك عند خروجها بم كنت تشتريها؟

 

قال: بالنصف الآخر.

 

قال: فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء.

 

ففكر أنت كم تناول في كل يوم شربة ماء هنيئة وأكلة هنيئة تسيغها هنياً في عافية وكم تنظر بعينك هنياً وتسمع طيباً وتشم زكياً وتمشي إلى ما تحب وتبطش بيدك فيما تحب... إلى غير ذلك من حواسك وأعضائك وقواك الباطنة التي لا يطلع على دقائقها وتصريفها إلا الله تعالى من مجاري طعامك وتصاريف هضمك وتفريق فضلاتك وتغذيك تجده مما لو صرفت زمانك في الفكر فيه خاصة لقضيت منه العجب ولو فقدت شيئاً يسيراً منه وطلب منك طبيب على أن يرده إليك ويصلحه لك مقابل خدمتك له سنة أو أكثر لسررت بذلك وعددته منعماً عليك وكم تقابل هذه النعم المتعددة بسنين من الخدمة.

 

والحال إنك لا تخدم مولاك المنعم إلا أوقاتاً قليلة، ولو تأملتها وعرفت عيوبها وآفاتها لم تثق بشيء منها، ولاستحييت من فعلها وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾

 

فالنعم عليك لا تحصى وعملك- على تقدير سلامته وقوله- قليل يحصى.

 

ثم إذا قابلته بقيت خالياً من عمل يوجب لك المكافأة فقصاراك الاعتراف بالتقصير وترك المراقبة لله تعالى وتذكر المنة والاعتراف بالنعمة والإزراء بنفسك والمقت لها لعلك تفوز برحمة الله تعالى. فقد قال رسول (ص): ( من مقت نفسه دون مقت الناس أمنه الله من فزع يوم القيامة).

 

وروي أن عابداً عبد الله تعالى سبعين عاماً صائماً نهاره قائماً ليله فطلب إلى الله تعالى حاجة فلم تقض فأقبل على نفسه وقال ( من قبلك أتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك) فانزل الله إليه ملكاً فقال : ( يا أبن آدم ساعتك التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي مضت).

 

ثم تأمل بع ذلك ثلاثة أمور:

 

أحدها: أن ملكاً من ملوك الدنيا إذا أجرى على أحد من أتباعه طعاماً وكسوة أو دراهم أو دنانير فإنه يستخدمه لأجلها بضروب الخدم آناء الليل والنهار مع ما في ذلك من الذل والصغار وبعضهم يقوم لذلك على رأسه ويسهر الليل بأجمعه لأجله وبعضهم يقف في خدمته يوماً بعد يوم حتى ينقضي عمره، وبعضهم يسعى في حوائجه ومهماته وبعضهم يركب الأهوال ولجج البحار لأجله وربما يبدو له عدو فيبذل لأجله روحه التي لا خلف عنها ولا ينفعه في الآخرة بعد ذلك فتراهم يحتملون كل هذه الخدمة لأجل تلك المنفعة الخسيسة الفانية ومع ذلك يعترفون للملك بالنعمة ويقرون له بالفضل عليهم والمنة، مع أن تلك المنفعة في الحقيقة من الله تعالى ولو أراد ملكهم على أن ينبت لهم حبة واحدة أو يخلق لهم خبطاً واحداً لم يقدر على ذلك وهم يعترفون بذلك كله.

 

فكيف تستكثر عملك الحقير المشوب بالآفات والنقائص لربك الذي خلقك ولم تك شيئاً مذكوراً ثم رباك وانعم عليك من النعم الظاهرة في نفسك ودينك ودنياك ما لا يبلغ كنهه فهمك ولا وهمك كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وقد وعدت على هذا العمل القليل مع ما فيه من المعيب والآفات بالثواب العظيم الدائم، وضروب الكرامات فما استعظام ذلك من شأن العقل.

 

وثانيها: أن تتفكر في أن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والأمراء  إذا أذن في إدخال الهدايا إليه، ووعد عليها بالعطاء العظيم، وأمر أن لا يستحي أحد بهديته ولو كان باقة بقل، فدخلت عليه الكبراء والأمراء والرؤساء والأغنياء بأنواع الهدايا من الجواهر الثمينة واللآلئ النفسية ثم جاء إليه بقال بباقة بقل، وقروي بسلة عنب تساوي درهماً أو حبة فدخل بها إلى حضرته وزاحم أولئك الأكابر بهداياهم الجليلة فقبل الملك من الوضيع هديته ونظر إليها نظر القبول، وأم له بأنفس خلعة  وكرامة، تبلغ مائة ألف دينار ألا يكون ذلك منه في غاية الفضل والكرم؟

 

ثم لو فرض أن هذا الفقير نظر بخاطره إلى هديته واستعظم أمرها وتعجب بها ونسي ذكر منة الملك ألا يقال هذا مجنون مضطرب العقل أو سفيه سيئ الأدب عظيم الجهل؟.

 

وثالثها: أن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والأمراء وتقوم على رأسه السادات والعظماء ويتولى خدمته الحكماء وتمشي بين يده الأكابر والرؤساء إذا أذن لسوقي أو قروي في الدخول عليه والقرب منه حتى زاحم أولئك السادات والأفاضل في خدمته وجعل له مقاماً في حضرته، أليس يقال لقد كثرت على هذا الحقير المنة من الملك وعظمت عليه النعمة؟

 

فإن أخذ هذا الحقير يمكن على الملك بتلك الخدمة الحقيرة ويستعظم ذلك مع هذه النعمة الواصلة إليه ويعجب بعمله، أليس ينسب إليه محض السفه والجنون؟.

 

فكيف، وإلهنا الذي له ملك السموات والأرض وقد دان له العالمون ووقف بخدمته الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون الذين لا يحصي عددهم إلا رب العالمين ومنهم النافذة في تخوم الأرض أقدامهم الواصلة إلى العرش رؤوسهم وهم مع ذلك مطرقون لا يرفعون رؤوسهم تعظيماً لله تعالى، ولا يفترون عن ذكر الله تعالى أبداً إلى آخر مدتهم فإذا أراد الله أن يميتهم رفعوا رؤوسهم وقالوا: ( سبحانك ما عبدناك حق عبادتك).

 

ولا يخفى حال نبينا (ص) في جده واجتهاده في عبادة ربه ومن بعده الأئمة عليهم السلام الذين يخرج ذكر يسير من عباداتهم عن حد الاختصار إلى نهاية الإكثار وهم مع ذلك معترفون بالتقصير باكون على أنفسهم مزرون عليها ثم أنك ترضى من نفسك بصلاة ركعتين محشوة من المعايب وقد وعدت من الثواب عليها بما لا يخطر على قلب بشر وتعجب من ذلك وتستكثره ولا ترى منة الله عليك في ذلك؟

 

فما أجهلك من إنسان وما أسوأك من رجل وما أسفهك من بشر!.

 

وأما نحن فلو عقلنا وتفطنا لأعمالنا لوجدناها إلى كفة السيئات أميل منها إلى كفة الحسنات لشدة الغفلة وكثرة المعايب وفساد القلوب، وتشويش المقاصد.

 

اللهم لا تكلنا إلى أعمالنا ولا تؤاخذنا بتفريطنا وإهمالنا واشملنا بفضلك وأنسك وخذ بنواصي قلوبنا إلى جوار قدسك فقديماً سترت وعظيماً غفرت وجزيلاً أعطيت وجسيماً أبليت وأنت أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين فما قدمت علينا أيدينا إلا صفراً من الحسنات مملؤة بالمعاصي والسيئات وجودك أوسع وأكمل من أن يضيق عمن التجأ إليك واعتمد بفضلك ورحمتك عليك وأنت دللتنا على جودك وهديتنا إلى فضلك وأمرتنا بالدعاء وضمنت الإجابة وأنت الجواد الكريم.